مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

31

تفسير مقتنيات الدرر

الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الأخلاق وهي المراد بالمنهاج فالشريعة أوّل ، والطريقة آخر . وقال المبرّد : الشريعة ابتداء الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمرّ . وفي قوله تعالى : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً » دلالة على جواز النسخ وعلى أنّ نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله كان متعبّدا بشريعته فقط وكذلك أمّته ويقوّي ذلك قوله : * ( [ ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ] ) * أي جماعة متّفقة على شريعة واحدة لا اختلاف فيها والمراد بالمشيئة في الآية مشيئة الإلجاء خلاف ما قالته الأشاعرة . قال الرازيّ : إن قيل : إنّه قد وردت آيات دالَّة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل وآيات دالَّة على حصول التباين فيها فالنوع الأوّل مثل قوله : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً إلى قومه أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا » « 1 » وقال : « أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه » « 2 » وأمّا النوع الثاني فمثل هذه الآية فحينئذ كيف طريق الجمع ؟ نعم ، فالنوع الأوّل من الآيات مصروف إلى ما يتعلَّق بأصول الدين والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلَّق بفروع الدين ، انتهى . قوله : * ( [ ولكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ] ) * أي لكن جعلكم على شرائع مختلفة للامتحان والتمييز بين المطيع والعاصي لترتّب الثواب والعقاب . قال الحسين بن عليّ المغربيّ : معنى الآية : لو شاء اللَّه لم يبعث إليكم نبيّا فتكونون متعبّدين بما في العقل وتكونون أمّة واحدة ولكن ليختبركم فيما كلَّفكم من العبادات وهو عالم بما يؤول إليه أمركم * ( [ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ] ) * وبادروا في التقدّم بالخير وما أمرتكم به فإنّي ما آمركم إلَّا بما هو خير لكم * ( [ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ] ) * استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات وفي قوله : « فاستبقوا » دلالة على وجوب المبادرة إلى أفعال الخير ، ويكون محمولا على الواجبات ومن قال : إنّ الأمر على الندب حمله على جميع الطاعات * ( [ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيه تَخْتَلِفُونَ ] ) * فيخبركم بما يرتفع الاختلاف والشكوك معه من الجزاء بين محقّكم ومبطلكم وموفيكم ومقصّركم في العمل .

--> ( 1 ) الانعام : 90 . ( 2 ) الشورى : 11 .